في وقت يدخل فيه المنتخب المغربي مرحلة جديدة على المستوى التقني تحت قيادة محمد وهبي، يبرز سؤال أساسي يتعلق بالاسم القادر على منح الخط الأمامي الفعالية المطلوبة وملء الفراغ في مركز رأس الحربة الصريح. فرغم وفرة المواهب المغربية في مراكز صناعة اللعب والأطراف، ما يزال البحث متواصلا عن مهاجم يملك حس الحسم ويستطيع إرباك الدفاعات القوية على أعلى مستوى. وفي هذا السياق، يفرض يانيس بغراوي نفسه كأحد الأسماء التي تستحق المتابعة بجدية، بعد موسمه اللافت مع إستوريل برايا في الدوري البرتغالي. ومع اقتراب كأس العالم 2026، تبدو فكرة منحه الفرصة داخل المنتخب أكثر منطقية من أي وقت مضى، خاصة أن ما يقدمه في البرتغال يعكس قدرته على التألق في أجواء تنافسية قوية.
وشهد مسار بغراوي تطورا واضحا منذ تكوينه في فرنسا، حيث مر من أوكسير ثم باو، قبل أن يحقق قفزة مهمة على المستويين البدني والذهني خلال موسم 2025-2026. ونجح المهاجم البالغ من العمر 24 عاما في تسجيل ما يقارب 19 هدفا في الدوري البرتغالي، ليدخل دائرة المهاجمين الأكثر انتظاما تهديفيا في أوروبا هذا الموسم. ومن أبرز نقاط قوته تحركاته الذكية داخل منطقة الجزاء، إذ لا يعتمد على الثبات أو لعب دور المهاجم التقليدي الجامد، بل يجيد الاختفاء عن الرقابة ثم الظهور في اللحظة المناسبة داخل منطقة الحسم. كما يستطيع التراجع إلى الخلف والمساهمة في التحولات، ما يمنحه قيمة إضافية في البناء الهجومي.
وعلى المستوى الفني، يملك بغراوي خصائص متنوعة تجعله مهاجما متكاملا نسبيا. فهو قادر على اللعب بكلتا القدمين، ويحسن التعامل مع الزوايا الضيقة، كما يظهر فعالية كبيرة في اللمسة الأخيرة. ورغم أن طوله يبلغ 1.79 متر فقط، فإنه يعوض ذلك بتوقيت جيد جدا في الارتقاء وقراءة مميزة لمسار الكرات، وهو ما يسمح له بأن يكون منافسا أيضا في الكرات الهوائية.
ويأتي هذا التألق في فترة يواصل فيها عدد من الدوليين المغاربة لفت الأنظار في الملاعب الأوروبية. فإلى جانب يانيس بغراوي، برز أيضا كل من بلال الخنوس وعبد الصمد الزلزولي بتسجيل الأهداف مع فريقيهما، وهو ما يعكس وفرة الخيارات الهجومية قبل أشهر قليلة من نهائيات كأس العالم 2026.
من الناحية التكتيكية، يبدو أن محمد وهبي يحتاج إلى مهاجم يستطيع القيام بأدوار متعددة داخل المنظومة، سواء في المساندة أو في ضرب العمق، مع الحفاظ على الحضور الدائم داخل منطقة الجزاء. وفي خطط مثل 4-3-3 أو 4-2-3-1، يمكن لبغراوي أن يؤدي هذا الدور بشكل يمنح الفريق حلولا إضافية. فقدرته على اللعب بظهره للمرمى وفتح المساحات أمام لاعبين سريعين مثل الزلزولي، إلى جانب تحركاته التي قد تستفيد من تمريرات إبراهيم دياز، تجعله خيارا ينسجم مع طبيعة العناصر الهجومية الحالية.
وفي مقارنة سريعة مع أسماء أخرى في مركز المهاجم، فإن يوسف النصيري يعتمد أكثر على القوة البدنية والكرات الهوائية، بينما يفضل أيوب الكعبي التحركات القصيرة والمباشرة. أما بغراوي، فيبدو أنه يقدم مزيجا مختلفا يجمع بين اللمسة التقنية، والحركة المستمرة، والهدوء أمام المرمى. وهذا النوع من المهاجمين قد يساعد المنتخب على جعل اللعب الهجومي أكثر سلاسة، خاصة في المباريات التي يواجه فيها خصوما يعتمدون على التكتل الدفاعي ويعزلون رأس الحربة عن بقية الخطوط.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن تألقه في الدوري البرتغالي ليس مجرد مرحلة عابرة، بل دليل على جاهزيته لخوض تحد أكبر. وبالنسبة إلى محمد وهبي، الذي يعرف جيدا أهمية ضخ دماء جديدة في المنتخب، يمكن أن يمثل يانيس بغراوي أحد الوجوه القادرة على منح الخط الأمامي نفسا مختلفا. وفي ظل المنافسة القوية على المراكز، فإن مستواه الحالي يمنحه مشروعية واضحة ليكون ضمن الخيارات المطروحة، ليس فقط كبديل، بل كحل هجومي حديث وفعال أمام المرمى.