يمثل رحيل وليد الركراكي عن منصب الناخب الوطني إسدال الستار على مرحلة اتسمت بكثير من الطموح والانضباط والرهان على تجاوز السقف التقليدي لطموحات “أسود الأطلس”. مرحلة ستظل حاضرة في الذاكرة لأنها أعادت تعريف الممكن للمنتخب المغربي، ورفعت سقف التوقعات داخليًا وخارجيًا على حد سواء.
الركراكي الذي تسلم قيادة المنتخب في لحظة دقيقة وحساسة، سيبقى مرتبطًا بالأساس بملحمة كأس العالم 2022. ففي قطر كتب المغرب واحدة من أبرز لحظات تاريخه الكروي الحديث، حين أصبح أول منتخب عربي وإفريقي يبلغ نصف نهائي كأس العالم، وهو إنجاز وضع الكرة المغربية في واجهة المشهد العالمي.
وخلال ذلك المشوار، قاد الركراكي مجموعة من اللاعبين أبرزهم أشرف حكيمي إلى تجاوز محطة إسبانيا تحت قيادة لويس إنريكي، ثم الإطاحة بالبرتغال التي كان يقودها كريستيانو رونالدو. لحظات صنعت حالة فخر واسعة في المغرب وفي العالم العربي وإفريقيا، وكرست المنتخب كقوة قادرة على مواجهة كبار القارة الأوروبية والانتصار عليهم في أعلى مستوى تنافسي.
ولم يكن بلوغ نصف النهائي مجرد نتيجة رياضية عابرة، بل تحول إلى مؤشر على مسار أعمق يتعلق بهوية مدرسة كروية مغربية أخذت تتشكل عبر سنوات من العمل على التكوين، بالجمع بين التأطير الرياضي والمسار الأكاديمي، وبالاعتماد على لاعبين تدرجوا بين مدارس محلية وتجارب احترافية أوروبية عالية المستوى.
غير أن “حقبة الركراكي” لم تختزل في كأس العالم فقط. فقد ارتبطت أيضًا بسلسلة طويلة من الانتصارات المتتالية وصلت إلى 19 فوزًا، وهو رقم لافت عكس حالة استقرار فني، وروح تنافسية عالية، وانضباطًا يوميًا داخل المجموعة، وجعل المنتخب يعيش دينامية قوية لفترة ممتدة.
وفي سياق تثبيت المكانة الجديدة، جاءت محطة الفوز الودي على البرازيل، أحد أعرق منتخبات العالم وحامل الرقم القياسي في عدد ألقاب كأس العالم. هذا الانتصار حمل رسالة واضحة مفادها أن المغرب لم يعد يكتفي بدور المنافس الطامح، بل بات قادرًا على مجاراة مدارس عالمية كبرى وإحداث الفارق أمامها، خصوصًا مع اقتراب مونديال 2026 الذي يُنتظر أن يشهد تحديات من عيار أعلى.
ومع ذلك، لم يكن مشوار الركراكي خاليًا من العثرات. فقد ودع المنتخب المغربي كأس إفريقيا للأمم في كوت ديفوار 2023 من دور ثمن النهائي، وهو خروج ترك مرارة لدى جزء كبير من الجمهور، بالنظر إلى سقف الآمال المرتفع بعد إنجاز المونديال. غير أن تلك النتيجة لم تُلغِ ما اعتبره كثيرون إنجازًا أهم، يتمثل في بناء مجموعة تنافسية متماسكة ذهنيًا، تمتلك شخصية قوية وقدرة على الاستمرار في أعلى مستوى.
كما تظل محطة نهائي كأس إفريقيا للأمم 2025 على أرض المغرب حدثًا بارزًا في تسلسل الحضور المغربي القاري، لأنها تعكس استمرار وضع المنتخب ضمن دائرة المنافسة على الألقاب، وتؤكد أن المرحلة لم تكن استثناءً قصير الأمد بقدر ما كانت امتدادًا لمسار تصاعدي.
ويمثل هذا الرحيل أيضًا نهاية فصل في مسار الركراكي نفسه، باعتباره أحد لاعبي “أسود الأطلس” سابقًا. فقد عاش ثقل القميص الوطني منذ تجربته كلاعب، عندما أنهى كأس الأمم الإفريقية بتونس سنة 2004 في مركز الوصافة، وهو ما يجعله مدربًا يدرك قيمة التفاصيل المرتبطة بالمنتخب وما يرافقها من ضغط وتوقعات.
وبين اللعب والتدريب، راكم الركراكي مسارًا متنوعًا. كلاعب، شغل مركز الظهير الأيمن وخاض تجارب مع أندية في فرنسا، إضافة إلى محطة احترافية في إسبانيا مع راسينغ سانتاندير. ثم تحول إلى التدريب، حيث صنع اسمًا داخل البطولة الوطنية وخارجها، وقاد الفتح الرياضي للتتويج بكأس العرش سنة 2014، قبل أن يحقق مع الوداد الرياضي لقب البطولة الاحترافية ودوري أبطال إفريقيا سنة 2022، وهو ما عزز صورته كمدرب قادر على صناعة الفرق وترسيخ ثقافة الفوز.
ويغادر الركراكي منصبه تاركًا خلفه إرثًا ملموسًا: منتخب حاضر في التصنيف العالمي بين المنتخبات الكبرى ويحظى بالاحترام، وجيلًا من اللاعبين أكثر ثقة في قدرته على مقارعة الأقوى، وعقلية تنافسية أصبحت جزءًا من هوية المجموعة. كما رسخ فكرة أن الموهبة المغربية، حين تُصاحبها منظومة عمل منضبطة وإيمان بالقدرة وعزيمة جماعية، تستطيع الوصول إلى أعلى المستويات ومقارعة نخبة كرة القدم العالمية.